سعيد حوي
402
الأساس في التفسير
فلا تقوى إلا بقصاص ، ولا قصاص إلا بدولة وحكومة ، ولا نكون من المتقين المهتدين بهدي كتاب الله - وهي الصفة الأولى من صفات المتقين - حتى نقيم القصاص بإقامة الدولة التي تقيمه ، ورقابتها ، ومحاسبتها . فليعلم ذلك الذين يظنون أن التقوى مجرد صلاة ، وليعلم ذلك الذين لا يبذلون أدنى جهد صحيح لإقامة حكم الله في الأرض . فالسياق إذن ماض على نسق واحد هو الدعوة إلى التقوى ، بتبيانها ، وتبيان طريقها ، وتعميق مفاهيمها . توضيح هام : التقوى : هي تنفيد ما يطالب به كل إنسان من كتاب الله ، وسنة رسوله . والمحاسبة تكون على التقصير ضمن الوسع . فمثلا أنا كمسلم لا أستطيع أن أطبق حكم القصاص بمفردي . ولكي أبرئ ذمتي عند الله علي أن أبذل جهدا من أجل الوصول إلى تطبيق حكم القصاص والعمل ضمن وسعي ، إما بالسعي نحو إقامة الحكومة الإسلامية حال فقدها ، أو بتذكيرها حال وجودها ، أو بالسعي نحو العفو في كل حال . الفقرة الثانية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . اتجاهات المفسرين في هذه الفقرة : هل الآية الأولى في هذه الفقرة منسوخة بآية المواريث الموجودة في سورة النساء ؟ أو أن آية المواريث مفسرة لها ؟ أو أن آية المواريث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصية ؟ . ثلاثة أقوال في الآية ، الذي عليه عامة الفقهاء هو الأول . والذي نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني هو الثاني ثم قال أي الرازي : ( وهو قول أكثر المفسرين ، والمعتبرين من الفقهاء ) . والقول الثالث ذهب إليه الكثير ، منهم ابن عباس ، والحسن ، ومسروق ، وطاوس ، والضحاك ، ومسلم بن يسار ، والعلاء بن زياد ، وغيرهم . وسنرى أنه من الناحية العملية لا يترتب على هذا الخلاف كبير أمر في موضوع التطبيق . وإنما الموضوع مرتبط بذوقية تذوق القرآن ، وبانسجام الفهم للنص مع مجموعة النصوص . وسنشرح الآية شرحا حرفيا وكليا على ضوء القول الأول ، ثم الثاني ، ثم الثالث .